بحث يوسف ابوصوي : تأثير الإعلام الإسرائيلي على مسار القضية الفلسطينية و حقيقته

5 12 2009

بسم الله الرحمن الرحيم

تأثير الإعلام الإسرائيلي على مسار القضية الفلسطينية و حقيقته

يوسف ابوصويّ

200710258

جامعة البترا

كلية الآداب قسم الصحافة والاعلام

الدكتور زهير الطاهات

المقدمة:

يلعب الإعلام السليم في القضايا القومية خاصة المصيرية منها دورا أساسيا في تجنيد الرأي العام العالمي لصالح القضايا التي يعمل في خدمتها ،ويكون مثل هذا الإعلام فعالا بقدر ما يكون امتداد لإعلام داخلي فعال، وانعكاسا لعمل داخلي جاد،إن إعلام كهذا لابد إلا وان يكون له استراتيجية واضحة ومداخل نظرية وتطبيقية مدروسة ،وأدوات صالحة يعمل من خلالها على خدمة تلك الإستراتيجية وسلوك تلك المداخل.

كان الإعلام،ولا يزال ،بندا رئيسيا من بنود التخطيط العام للعمل الصهيوني ووسيلة هامة لا ترى إسرائيل كما لا تر الحركة الصهيونية من قبلها،وبدا من استخدامها لتحقيق الأهداف الصهيونية العليا،ولقد تميز الإعلام الصهيوني قبل قيام إسرائيل وبعدها،بارتباطه الوثيق بأهداف واضحة محددة من ناحية وبقيامه كجزء من تخطيط عام لبرنامج عمل كامل لتنفيذ تلك الأهداف من ناحية ثانية.

يتبين ذلك أولا من برنامج العمل ذي البنود الأربعة ،الذي اقره المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في بال بسويسرا عام 1897،من اجل خلق الوطن القومي اليهودي في فلسطين،فلقد أكد البند الثالث أهمية الإعلام والتثقيف في تنفيذ ذلك الهدف ،إذ نص على ضرورة نشر الروح القومية والوعي بين يهود العالم وتنميتها ،وسار الإعلام الصهيوني في تنفيذ دوره الموجه إلى اليهودية العالمية جنبا إلى جنب مع البنود الثلاثة الأخرى،وهي عن الاستيطان اليهودي بفلسطين ،وتنظيم يهود العالم وربطهم بعضهم ببعض في مؤسسات صهيونية واتخاذ الخطوات اللازمة للحصول على تأييد الحكومات المختلفة من اجل تحقيق ذلك الهدف.

الإعلام الإسرائيلي وتزيف التاريخ

في سياق المزاعم الإسرائيلية الباطلة، والدعاوى الصهيونية الزائفة، يخاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق “بيجين” الكنيست، أثناء زيارة الرئيس “السادات” لإسرائيل عام 1977م بقوله: “نحن لم نستول على أي أرض أجنبية، لقد عدنا إلى وطننا، إن العلاقة بين شعبنا وهذه الأرض هي علاقة أزلية، نشأت منذ فجر التاريخ، ولم تنفصم عراها في أي وقت من الأوقات، ففي هذه الأرض أقام أجدادنا حضارتنا، وعليها تنبأ أنبياؤنا، وعندما نزحنا منها تحت وطأة القوة المستخدمة ضدنا، وابتعدنا عن بلادنا، لم ننس هذه الأرض ولو ليوم واحد”.

وفي هذا الصدد يعلق الكاتب الفلسطيني “زكريا محمد” على المزاعم الإسرائيلية بقوله: “لقد وجد الفلسطيني نفسه إزاء هذه الدعاوى الزائفة فجأة من دون تاريخ، ومن دون ماضٍ، وصار مجرد ضيف على هذا التاريخ، وإذا كان تاريخ إسرائيل القديم يبدو كلحظة في التاريخ الفلسطيني الطويل، فقد جرى التركيز على هذه اللحظة من جانب جهاز الدعاية الإسرائيلية، باعتبارها جوهر هذا التاريخ، فكل ما قبلها باطل، فقد ابتلعت لحظة قيام إسرائيل في عام 1948م كل اللحظات السابقة التي يجسدها التاريخ الفلسطيني الضارب بجذوره في فلسطين منذ عهدها الأول.


وهكذا يركز الإعلام الصهيوني والإسرائيلي على إسكات التاريخ الفلسطيني، وقطع أية علاقة عربية وفلسطينية به، وفي هذا المقام يضيف “زكريا محمد” قوله: “وهذا ما أورث الفلسطينيين شعورًا بأن تاريخهم اغتصب، لقد تم اغتصاب الماضي أيضًا، لا الحاضر فقط، وفي ضوء ذلك التزييف الصهيوني للحقائق، وتشويه التاريخ، فإن الإعلام الإسرائيلي يتسم بسمتين :

الأولى: أنه دعاية منظمة ومخططة ذات أهداف استراتيجية واضحة، فهي تسبق الأحداث وتواكبها ولا تأتي في أعقابها، فينتقي هذا الإعلام لكل حدث ما يلائمه من الأساليب والمضامين، وما يتلاءم والجمهور الذي يخاطبه والمرحلة التاريخية التي يقع فيها.

الثانية: أنه دعاية تركز على تكرار مجموعة من القضايا والدعاوى الباطلة، التي يتم الإلحاح عليها لترسيخها في الأذهان، وتثبيتها في ذاكرة الإنسان، حتى تصبح وكأنها حقائق يجب التسليم بها، خاصة عندما تطرق مسامعه عبر المذياع، وتتجسد أمامه صورًا يراها على شاشة التلفاز ويقرؤها بعينيه مكتوبة في صحيفة أو مجلة، تلاحقه في البيت، وفي العمل، وتلح عليه حتى عندما يذهب لسريره لينام.

ومن هنا لا يجد المرء مفرًا أمام هذا الحصار الإعلامي إلا الانصياع، والاستسلام إزاء الإلحاح المستمر والمتكرر لهذه الدعاية الصهيونية، أو على الأقل التأثر بهذه المغالطات، وهو تأثير سرعان ما يتحول إلى قبول بها، ثم اعتناقها، والتشيع لها، والاستعداد للدفاع عنها. فهذه هي نقطة القوة الأساسية في الدعاية الإسرائيلية من تكرارها لمصطلحات وعبارات زائفة ومقولات باطلة، وإلحاحها، وملاحقتها للرأي العام لترسيخها في عقله ووجدانه.

ومن هنا يسعى الإعلام الإسرائيلي إلى تسريب العديد من هذه المصطلحات في دعايته ضد العرب والمسلمين، فنجده يروج لفكرة “الأصولية الإسلامية” لإيهام العالم أن التطرف هو أصل الإسلام، وجوهر تعاليمه. ومن الملاحظ أن الإعلام الغربي والأمريكي على وجه الخصوص وقع أسيرًا لهذه الفكرة حتى ضاعت المسافة بين الأصول الإسلامية التي تؤكد على أنه: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)[البقرة:256]، (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)[الكافرون:6]، (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[الكهف:29]. وبين حركات التطرف السياسي التي تلغي الآخر، وتستبيح دمه، وتسيء إلى هذه الأصول الإسلامية التي تحدد بدقة قواعد سلوك الاختلاف مع الآخر.

والهدف من ترديد الدعاية الصهيونية لهذا المصطلح واضح، وهو تشويه صورة الإسلام وتجريده من سماحته وتكريمه للإنسان، بغض النظر عن إيمانه أو كفره، وفي هذا ا لسياق يردد الإعلام الصهيوني والإسرائيلي مصطلح “الإرهاب الإسلامي” الذي تراه إسرائيل أنه يقوم على أساسين:

الأول: مبدأ الجهاد الإسلامي، باعتباره “إرهابًا” فهو يربط جوهر الإسلام بالتطرف وهي مغالطة تسيء إليه، إذ إن الجهاد للدفاع عن النفس وليس للعدوان على الآخرين.

والثاني: ركن الزكاة باعتباره تمويلاً للإرهاب الإسلامي وهي مغالطة حيث إن الزكاة لها مصارف ثمانية، ليس من بينها تمويل الإرهاب أو العنف أو الاعتداء على حقوق الغير، وقد صاحب مصطلح “الإرهاب الإسلامي” مصطلحات أخرى جديدة، زخر بها قاموس الإعلام الصهيوني تجعل من “العمليات الاستشهادية” في الأرض المحتلة “عمليات انتحارية”، ومن عمليات “المقاومة الفلسطينية” للمحتل الإسرائيلي “إرهابًا”. أما ما تقوم به إسرائيل من قتل واغتيال وتدمير للمنازل واعتقال لرجال المقاومة، وحصار للمدن والقرى؛ فهو دفاع عن النفس!

كما دأبت الآلة الإعلامية الإسرائيلية على تصوير إسرائيل وأمريكا كشركاء في الاستهداف بالإرهاب من جهة، وشركاء في محاربة الإرهاب من جهة أخرى.

والجدير بالذكر في هذا الصدد أن الدعاية الإسرائيلية تركز على استخدام مصطلح “الصراع العربي الإسرائيلي” بدلاً من مصطلح “القضية الفلسطينية” لإيهام العالم أن ثمة طرفين متصارعين هما “العرب والإسرائيليون”، لكل منهما حق في فلسطين، وأن صراعهما يدور حول هذا الحق، بينما تجد مصطلح “القضية الفلسطينية” يشير بوضوح إلى أن ثمة قضية واحدة لصاحب حق واحد، وهو الشعب الفلسطيني، ويضع إسرائيل في موضع من لا يملك حقًّا في الأساس إذ إن القضية برمتها هي قضية شعب اغتصب وطنه، وشرد من أرضه، وانتهكت حقوقه، واستبيحت مقدساته.

أما مصطلح “الصراع العربي الإسرائيلي” والذي يلح الإعلام الإسرائيلي على ترديده فإنه يعتبر الصراع بين الطرفين يدور في المقام الأول حول تسوية الحدود، وليس حق الوجود، واللافت للنظر أن إسرائيل من خلال إعلامها تصر على استخدام مصطلحات “أرض إسرائيل” بدلاً من اسم “فلسطين” لتوحي للعالم أن فلسطين ليست أرضًا فلسطينية، بل هي أرض إسرائيلية، وأنها ملك لليهود، وليس للفلسطينيين حق فيها.

كما تردد أبواق الدعاية في إسرائيل مصطلح “يهوذا والسامرة” بديلاً عن استخدام مصطلح “الضفة الغربية” للإيحاء أنه كان يوجد مملكتان في الضفة الغربية بعد وفاة سليمان – عليه السلام – إحداهما في جنوب الضفة وهي مملكة يهوذا، والأخرى في شمالها وهي مملكة إسرائيل، متناسية أن هاتين المملكتين لم تدوما إلا ثمانين عامًا، وهي في عمر الأمم تبدو قصيرة؛ فقد ظل العرب المسلمون في الأندلس حوالي ثمانمائة عام ومع ذلك لم يطالبوا بأي حق تاريخي فيها، وفوق ذلك كانت كل مملكة من الصغر بحيث وصفها بعض المؤرخين بأنها مملكة مدينة.

ومن ناحية أخرى يستخدم الإعلام الصهيوني، منذ أواخر القرن التاسع عشر، مصطلح “الشرق الأوسط” بدلاً من عبارة “الوطن العربي” الذي يؤكد عروبة هذا الوطن من المحيط إلى الخليج، وما إسرائيل إلا جسم غريب عن الوطن العربي، ولقد بزغ في الأوساط الإعلامية الصهيونية والغربية والأمريكية على وجه الخصوص مصطلح “الشرق الأوسط الكبير” الذي يضم إسرائيل وتركيا وأفغانستان وباكستان وإيران، إلى جانب الدول العربية، حيث تلعب فيه إسرائيل دور الهيمنة وحراسة المصالح الأمريكية، وقيادة هذه المنطقة، كما يقوم هذا المصطلح على فكرة أن إسرائيل جزء لا يتجزأ من جغرافيته، وأن وجودها هو وجود طبيعي يتوجب على العرب القبول به وتحرص وسائل الإعلام الإسرائيلي على ترديد عبارة “جيش الدفاع الإسرائيلي” بديلاً عن عبارة “الجيش الإسرائيلي” لتوهم العالم أن إسرائيل – دائمًا – في حالة دفاع عن النفس ضد محيط عربي معادٍ، يسعى إلى القضاء عليها.


كما لم ينس العالم ما روجته الدعاية الصهيونية لمصطلح “أن العرب يريدون إلقاء اليهود في البحر”

وكان ذلك للتمهيد لعدوان الخامس من يونيو 1967م، وهو مصطلح اخترعه الصهاينة لتبرير هذا العدوان الإسرائيلي على أراضي ثلاث دول، ولإظهار إسرائيل بموقف الحَمل الوديع الذي يريد العرب التهامه، ولكسب عطف الرأي العام وتأييده.

والحقيقة التي لا يمكن إنكارها تاريخيًا، أن العرب كانوا ولا يزالون يصفون اليهود من أبناء فلسطين بأنهم “إخواننا” لهم ما لنا وعليهم ما علينا، لقد فرق العرب بين اليهود كأصحاب دين، وبين الصهاينة كدعاة لإقامة دولة يهودية في فلسطين، تنتزع شعبًا من وطنه وأرضه، وتشرده في صورة لم ير التاريخ لها مثيلاً، واللافت للانتباه أن إسرائيل شنت “حربًا إليكترونية” مستمرة عقب انتفاضة الأقصى على مواقع فلسطينية في شبكة الإنترنت، بإرسال “فيروس” يقوم بمسح صور الشهداء الفلسطينيين التي تدين أعمال إسرائيل العدوانية، كما قامت بعض شبكات التليفزيون الكندية التي يهيمن عليها الإعلام الصهيوني بعرض صورة الشهيد “محمد الدرة” مع إلباسه طاقية المتدينين اليهود وصوروه كيهودي، يحتمي بجسد أبيه، بينما يغتاله الفلسطينيون عمدًا.

وهكذا يقوم الإعلام الإسرائيلي بتلبيس الحق بالباطل، وتصوير الضحية جلادًا، والقتيل قاتلاً لتضليل الرأي العام، وقلب الحقائق وطمسها، وفي هذا الإطار يصور الإعلام الإسرائيلي “إسرائيل” بأنها “ضحية للعنف الفلسطيني”. فيقول الدكتور “إدوارد سعيد” – رحمه الله – عقب انتفاضة الأقصى: “إن الصورة العامة للإعلام الإسرائيلي والغربي والأمريكي تسلط الضوء على أن إسرائيل محاطة بأشخاص عنيفين يهاجمونها بالحجارة، وأن الصواريخ والدبابات الإسرائيلية تستخدم لحماية المواطنين الإسرائيليين من العنف الفلسطيني”.

لقد أحرز الإعلام الإسرائيلي نجاحًا كبيرًا في تصوير “النضال الفلسطيني” لدى الرأي العام الأمريكي، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م بأنه “أعمال عنف” لا تختلف عن الإرهاب الذي تحاربه الإدارة الأمريكية لتأمين المواطن الأمريكي، محاولاً وصف الفلسطينيين الشبان، حاملي البنادق، والأطفال الملفوفين بالأحزمة الناسفة بالعنف والإرهاب.

وفي تصعيد للحرب الإعلامية والصهيونية ضد كل ما هو عربي وفلسطيني أصدرت إسرائيل “شريطًا” يبين كيفية قيام الفلسطينيين بتدريب أبنائهم على ممارسة العنف، فالشريط في بعض مقاطعه يجسد صورة الأطفال الفلسطينيين وهم يقاتلون بالحجر والمقلاع، بينما يركز في مقاطع أخرى منه على عرض صورة الأطفال الإسرائيليين المسالمين وهم يلعبون في براءة، ويصاحب هذا المشهد البريء انسياب موسيقى حزينة لإيهام العالم أن هؤلاء الأطفال الإسرائيليين الأبرياء لا يعيشون بسلام بسبب “العنف الفلسطيني” المتمثل في الحجر والمقلاع، والعمليات الاستشهادية التي يسميها هذا الإعلام المضلل “العمليات الإرهابية أو الانتحارية”.

وما يجب لفت الأنظار إليه أن الحملة الدعائية الشرسة التي يشنها هذا الإعلام لم ينج منها الرئيس الفلسطيني عرفات، فقد واصلت هذه الأبواق الصهيونية ترديد مقولة: إن “عرفات لم يخلع زيه العسكري” للإيحاء بأن الرئيس الفلسطيني لا يزال القائد الثوري، الذي يستنفر شعبه للاعتداء على الشعب اليهودي المسالم. والهدف من وراء هذه الحملة الدعائية واضح، وهو تشويه صورة القيادة السياسية الفلسطينية، والتشكيك في صلاحية الرئيس عرفات كشريك في علمية صنع السلام، وقد نجح هذا الإعلام إلى حد كبير في تكرار مقولة: “إن عرفات شريك غير صالح” من خلال وسائله المتعددة حتى بات العالم يصدق هذه المقولة.

وامتدادًا للحرب الإعلامية الصهيونية فإن إسرائيل استغلت قانون “جيسو” الفرنسي الصادر عام 1990م والذي يسمح بمقاضاة المتهمين “بمعاداة اليهود” أو ما يعرف باسم “معاداة السامية” في كبت حرية التعبير، وخنق حرية الرأي لكل من يتجرأ على انتقاد السلوك الإسرائيلي، فقد مثل أمام القضاء الفرنسي عدد من المفكرين والكتاب والأدباء العرب والغربيين بتهمة التحريض على “معاداة اليهود”. نذكر منهم نقيب الصحفيين الأسبق “إبراهيم نافع” والمفكر الفرنسي “روجيه جارودي”. كما لم تسلم “هيلاري كلينتون” قرينة الرئيس الأمريكي السابق من هذه التهمة، حينما صرحت في إحدى المناسبات بأن الفلسطينيين يستحقون دولة لهم بجوار إسرائيل. وطالت هذه التهمة أيضًا الفنان “محمد صبحي” على مسلسله “فارس بلا جواد” لحديثه في المسلسل عن “بروتوكولات حكماء صهيون”. وكذلك الفنان “أحمد السقا” عن فيلمه “مافيا” الذي تدور أحداثه حول إحباط محاولة إرهابية صهيونية لاغتيال بابا الفاتيكان خلال زيارته لمصر.

أدوات الإعلام الصهيوني

إن ما يلفت النظر في هذا الشأن خلو الإدارة الحكومية الإسرائيلية من وزارة متخصصة “للأعلام والإرشاد”كما هو الحال في عدد من الدول الافرواسيوية وبعض الدول العربية ،ويرجع سبب ذلك إلى أن التخطيط السياسي الشامل للحكومة الإسرائيلية يقوم على أساس ضرورة إشراك كافة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية بدور إعلامي ما في خدمة أهداف إسرائيل القومية والسياسية،

من خلال العمل الذي تقوم به،وهكذا يساهم الاتحاد العام للعمال الإسرائيليين وشركة المال للطيران ونادي الروتاري الإسرائيلي وجمعية المحاربين القدماء والاتحادات الطلابية في خدمة تلك الأهداف جنبنا إلى جنب مع الدوائر المختصة في المكتب رئيس الوزراء ووزارة الخارجية والوكالة اليهودية ،كما يقوم من جهة ثانية على اعتبار العمل الإعلامي الخارجي _إي موجه إلى الأجانب سواء كانوا داخل إسرائيل أو خارجها_امتدادا للعمل الإعلامي بين سكانها وان نجاحه في الخارج يتوقف بالتالي على مدى نجاحه بالداخل،وبمعنى أخر فان هذا التخطيط ينظر إلى المواطن الإسرائيلي ،ثم اليهودي أينما كان،على اعتبار انه الأداة الأولى للإعلام الإسرائيلي ،ويتضح ذلك من الارتباط الوثيق القائم بين مكتبي الإعلام المركزي والذي يركز نشاطه الأساسي بين سكان إسرائيل والمهاجرين الجدد إليها،والمكتب الصحفي للحكومة الذي يركز نشاطه بين المراسلين المحليين والأجانب،واللذين يشكلان دائرة واحدة مرتبطة بمكتب رئيس الوزراء مباشرة،وهو المكتب المسئول عن التنسيق بين أعمال كافة الوزارات وعن سير العمل في مختلف الأقسام والوحدات التابعة لها.

رغم أن الإعلام الإسرائيلي يعمل في داخل إسرائيل كما يعمل خارجها لذلك فانه يمكن تقسيم أدواته إلى قسمين:داخلي وخارجي،مع التأكيد هنا على أن هذا التقسيم لا يعني استقلالية العمل بين هذين القسمين،ذلك أن الواقع الحي يثبت أنهما يعملان في تنسيق يكاد يكون كاملا نتيجة وضوح استراتيجية الإعلام الإسرائيلي ومداخله المختلفة لدى كافة هذه الأدوات ،بل أن ذلك يتمثل أكثر ما يتمثل في امتداد عمل معظم الأدوات الداخلية إلى الخارجية.

الإعلام الإسرائيلي والنظام السياسي

يأخذ النظام السياسي الصهيوني بالشكل الليبرالي الديمقراطي ،حيث أن حرية الرأي والتعبير وحرية تكوين الأحزاب السياسية ،وخوض الانتخابات والتمثيل والمساهمة في النشاط السياسي،ومن ضمن ذلك بطبيعة الحال تدخل حرية وسائل الإعلام ،لكن واقع الحال هو أن هذه الليبرالية هي عبارة عن غلاف خارجي بشكل أخر من الأنظمة السياسية الأخرى.

فمن المعروف أن الأيدلوجية الصهيونية هي أيدلوجية عنصرية حرمت قطاعا هاما من سكان البلاد الأصلين ،وهم العرب من ممارسة بعض مظاهر النشاط السياسي الديمقراطي،فبحجة”مبررات أمنية”حالت سلطات الاحتلال دون تشكيل الأحزاب العربية وما يهمنا أنها أيضا حالت دون إصدار صحف ذات هوية وطنية عربية،هذا عدا عن مظاهر التمييز العنصري المختلفة ،والمتتبع للظاهرة الصهيونية يدهشه التمييز في كافة المظاهر ،ضد اليهود الشرقيين الذين ينتمون في أصولهم إلى العالم العربي والإسلامي،فالأحزاب السياسية الصهيونية في زعامتها الأساسية وغالبية قواعدها من اليهود الغربيين ،وكذلك يمكن القول بان مراكز السيطرة والنفوذ والتأثير في وسائل الإعلام المختلفة وخاصة الصحافة الصهيونية هي بيدهم أيضا ،وهكذا فان محور النشاط السياسي من الناحية العملية في الكيان الصهيوني هو في يد النخبة اليهودية الغربية تحركه وتسيطر عليه ،فهي التي تصوغ عمليا القيم السياسية للحياة السياسية في الكيان الصهيوني، وهي التي تضع المعايير التي يجب احترامها وتفرضها على النشاط السياسي_الاجتماعي حيث يعتبر الإعلام احد وسائلها الأساسية لتحقيق ذلك.

ويختلف الأمر بالنسبة للمؤسسات الصحفية التي تتمتع بقدر من الحرية ،حيث أن غالبية الصحف إما أنها ناطقة باسم تنظيمات أو أحزاب سياسية أو نقابية أو أنها صحف مستقلة،وبعضها ذو صبغة إعلانية تجارية ،وهذا دون إغفال وجود صحف تشرف عليها حكومة العدو إشرافا مباشرا من خلال الدعم والتمويل المادي،ويتعلق الأمر بالصحف الصادرة بلغة غير العبرية.

فنجد شيئا ملفت للنظر في الكيان الصهيوني أن مؤسستي الإذاعة والتلفزيون تتبعان وزارة التربية والتعليم ،مما يشير إلى الأهمية الخاصة لهاتين المؤسستين في التنشئة الايدولوجية وزرع القيم الصهيونية جنبا إلى جنب مع المؤسسات التعليمية بما يحقق الأهداف الصهيونية .

والصحافة الصهيونية شانها في ذلك شان الإذاعة والتلفزيون تخضع في القضايا ذات الحساسية السياسية والأمنية للرقابة والإشراف والتوجيه من قبل الجهاز التنفيذي في حكومة العدو،هذه الإشراف الذي يمّكن قادة الكيان الصهيوني من التأثير على الرأي العام ،وتوجيه وتعبئته خلف السياسة العدوانية التوسعية للكيان الصهيوني ،والمساهمة في عملية التنشئة الأيدلوجية وزرع القيم الصهيونية في وعي المستوطنين الصهاينة.

مساهمة وسائل الإعلام في التنشئة الصهيونية

تركز وسائل الأعلام الصهيونية المختلفة على تلقين المبادئ الصهيونية وترسيخها في الذهن اليهودي،وذلك كجزء من عملية التنشئة الاجتماعية جنبا إلى جنب مع وسائل التنشئة الأخرى، كرياض الأطفال والمدارس ومؤسسات الجيش والأحزاب السياسية الصهيونية ،ولعل أكثر الوسائل الإعلامية تأثيرا على الناشئة هو مؤسسة الإذاعة والتلفزيون ،ثم زوايا خاصة في الصحف الصهيونية الموجهة للأطفال والناشئة.

والأساس الذي تعتمده هذه الوسائل في تنشئة الشبيبة الصهيونية هو تنمية عقدتي الخوف والتفوق،الخوف من العرب والتشكيك في نواياهم داخل فلسطين المحتلة وخارجها ،والتفوق التكنولوجي والعلمي عليهم،وعقدة الخوف والشعور بالاضطهاد عقدة قديمة تحولت إلى أسطورة ،أساسها ما تعرض له اليهود في البلدان الأوروبية عبر مراحل تاريخية مختلفة،وفق ما عملت الدعاية ووسائل الإعلام الصهيونية على غرسه في ذهن كل يهودي من اجل تنمية الشعور بالحقد والكراهية ضد كل ما هو ليس يهوديا،ولتنمية الشعور بالخوف وعدم الأمان في المستقبل وذلك بهدف دفع اليهود للهجرة إلى فلسطين المحتلة.

الإعلام الصهيوني وموضوع الصراع العربي_الصهيوني

يمكن القول أن الدعاية الإعلامية الصهيونية في مخاطبتها لليهودي داخل الكيان الصهيوني هي اسمرار للتنشئة الصهيونية ،لكنها تأخذ هنا أبعادها الواضحة على صورة الصراع العربي الصهيوني ،فقد ركز المضمون الإعلامي على تكرار الحديث عن مجموعة المنطلقات والمبادئ الصهيونية المتعلقة “بحق الكيان الصهيوني في الوجود”استنادا إلى “الحق الإلهي في ارض الميعاد”،والى مبادئ العدالة والحق القانوني الدولي، لذلك فان على العرب أن يقبلوا هذه الواقع لان رفضها يعني رفضا  للإرادة الإلهية،ولمبادئ العدالة وقواعد القانون الدولي،ويرتبط بذلك أن الكيان الصهيوني هو “دولة”مسالمة لا تريد العدوان والتوسع على حساب جيرانها العرب حيث تسعى للتعايش والتعاون معهم،لكن هؤلاء هم الذين يعدون العدة من ملايين الجنود وآلاف الدبابات والطائرات والمدافع للانقضاض على هذه “الدولة”الصغيرة لمحوها وإزالتها من الوجود،وإبادة سكانها اليهود،وانطلاقا من ذلك فان على الكيان الصهيوني ومن اجل الحفاظ على وجوده عسكرة المجتمع وحشده وتعبئته وتهيئته للدفاع عن نفسه ،ولإجهاض كل استعداد عسكري عربي وإجبار العرب على قبول السلام.

ويربط الإعلام الصهيوني بين ذلك وبين قدرة جيش العدو على قهر الأعداء العرب والانتصار عليهم،ويعيد الإعلام الصهيوني ذلك لا  إلى التفوق في العتاد والأسلحة فقط،بل إلى التفوق القومي والكفاءة القتالية الميدانية والقدرات الذهنية التي يتمتع بها المقاتل اليهودي مثله مثل المجتمع اليهودي على نظيره العربي،مع وجود القضية التي يؤمن بها ويقاتل من اجلها،في حين أن الجانب العربي يفتقر إلى كل هذه العناصر فيما عدا تفوقه في حجم القوى والاسلحه التي لا يعرف أحيانا كيف يستعملها ،وذلك لعدم قدرته على استيعاب التكنولوجيا المعقدة.

لقد صورت الدعاية الصهيونية طبيعة الصراع العربي_الصهيوني على انه صراع بين دول عربية تريد افتراس يهود الكيان الصهيوني وذبحهم وبين “دولة”صغيرة ديمقراطية حضارية مسالمة،غير عدوانية ولا توسعية،ومحاصرة من كل جانب،همها الوحيد هو السلام،والحفاظ على أرواح وحياة مواطنيها،ورغم ما في هذه المقولة من زيف،فأنها أيضا تتجاهل تماما الجوهر الأساسي للصراع وهو حقوق الشعب الفلسطيني ،الذي جرى تدمير مقوماته وبنيته الاجتماعية وتم تشتيته في مختلف أقطار الأرض،بل وان وسائل الأعلام الصهيوني المختلفة كانت تنكر حتى وجود هذا الشعب معتبرة أن الأردن هو الجزء الأخر من فلسطين،حيث تعني هذه العبارة أيضا أن الأردن هو جزء من “ارض إسرائيل”وبذلك فهو وطن هؤلاء الفلسطينيين اللاجئين ،وبالتالي منكرة حق الشعب الفلسطيني في وطنه وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة،كما لم تتجاوز وسائل الإعلام الصهيونية ،وصف منظمة التحرير الفلسطينية بأكثر من عصابات الإرهاب والقتل والتخريب.

من هذه المنطلقات ركز الإعلام الصهيوني أيضا على اعتبار الأرض الفلسطينية التي احتلت عام 1967م ،باعتبارها جزءا من “ارض اسرائيل” تم تحريرها من الأغراب ،هذا عدا عن كونها تشكل عمقا للكيان الصهيوني،وبالنسبة للمدينة القدس فقد ركز المضمون الإعلامي على اعتبارها عاصمة للكيان الصهيوني إلى الأبد جرى”توحيدها”عام 1967م،بعد أن كانت قد قسمت عام 1948م.

إن الأثر التحريضي الذي تمثله مثل هذه الآراء العنصرية المعادية للوجود السكاني العربي داخل فلسطين المحتلة، والتي تلبس لبس الدراسات العلمية الموضوعية، وتجد لها مكانا فسيحا في وسائل الإعلام الصهيونية،هي اشد تأثيرا على الرأي العام إذ أنها “أراء غير متحيزة”تنظر إلى جذور المشكلة “بتجرد وموضوعية”والعلماء المتخصصين ،الأمر الذي يكسبها مصداقية اكبر لدى جمهور المستوطنين الصهاينة، مما تزيد من حدة التحريض العنصري ضد العرب وتشجيع الإرهاب الصهيوني ،الذي اخذ على عاتقه معالجة هذه المشكلة بعد أن عجزت عن ذلك السلطات الرسمية، لاعتبارات سياسية وعملية مختلفة وليس أدل على ذلك من ردود الفعل المباشرة التي أثارتها مقالات البروفسور (سوفير)ونشرت أيضا عبر وسائل الإعلام والتي تؤكد على ضرورة “طرد العرب من ارض إسرائيل لان بقاءهم مع إعطائهم الحقوق المتساوية”سيؤدي إلى تصفية دولة الكيان الصهيوني بصورة ديمقراطية ،وبتمويل يهودي، أو أن تقع ثورة عربية لا تعرف أنصاف الحلول،مع ما يرافق ذلك من ضحايا في الجانب الصهيوني ،ولذلك فانه لا مجال للتعايش سويا في هذه البلاد ،وإذا ما تنازلنا عن أهدافنا وحقوقنا في “ارض إسرائيل”فلن تكون هنا دولة ثنائية القومية بل دولة عربية،ولهذا فمن المستحسن والمفضل أن لا نكون إنسانين وطيبين ،وإنما بشر فحسب على حد تعبير بعض ردود الفعل التي أثارتها مقالات سوفير.

الجدل حول القضية الفلسطينية

منذ أن أخذت القضية الفلسطينية تحتل مكانتها الفاعلة على المسرح السياسي المحلي والدولي،مترافقة مع تأثير العمل العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها المقاتلة،أخذت بعض القوى السياسية الصهيونية أمام ضرورات الواقع السياسي تتعاطى مع هذه الحقائق وتتفاعل معها فأخذت تطرح تصورات وأفكار متباينة لكيفية معالجة مختلف جوانب هذه القضية ،فمقابل الخط الإعلامي الصهيوني،أخذت المنابر الإعلامية لبعض القوى الحزبية تطرح أفكار وتصورات تختلف قليلا وكثيرا عن النهج الإعلامي الرسمي، سواء فيما يتعلق بالاستيطان أو مصير الأراضي المحتلة ،أو حتى بطبيعة العلاقة الممكنة مع منظمة التحرير والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني ،وزيادة في الإيضاح ،فان صحفا مثل (دافار الهستدروتية،ومعار يف وهارتس )أخذت تنحو منحى أكثر استقلالا واعتدالا عن الخط الإعلامي الرسمي، الذي تمثله صحيفة (يديعوت احرنوت)المستقلة المقربة من أوساط تكتل الليكود ،كما أن (هعولام هازيه )،على سبيل المثال أخذت تعتبر نفسها المنبر الإعلامي المطالب بضرورة الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني كما أخذت على عاتقها المتابعة الإعلامية الحثيثة لمعاناة العرب في الأراضي المحتلة.

ويبدو من المعطيات إن هناك تجاوبا كبيرا من الجمهور مع المواقف والآراء التي تطرحها مختلف وسائل والأعلام،حيث تظهر استطلاعات الرأي العام، التي تجريها المعاهد المتخصصة تفاعل الجمهور وتجاوبه أكثر فأكثر مع الرأي العام، القائل بان القضية الفلسطينية لم يعد من الممكن تجاهلها أذا ما أريد التوصل إلى تسوية حقيقة للصراع العربي الصهيوني، ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن هذه النسبة من الجمهور الصهيوني ،ترى أن السلام مرتهن بالاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ،إذ أن هذه النسبة قد انخفضت حين سئل فيما أذا كان السلام مرتهن بإجراء مفاوضات مباشرة مع ممثلي منظمة التحرير  الفلسطينية ،وانخفضت هذه النسبة إلى حدودها الدنيا عندما سئل فيما أذا كان السلام مع العرب مرتهن بإقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب الكيان الصهيوني ،بمعنى أخر فان اغلب الذين يؤيدون التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية كشرط للسلام، لا يعني بالضرورة أن هذه الحل يعني أقامة دولة فلسطينية مستقلة،كما لا يعني بالضرورة أعادة جميع المناطق المحتلة….وهذه يعني أن ما يقارب الخمسين في المائة ،من الجمهور الصهيوني، يؤيدون الحلول الوسطية على اختلافها، والتي تقترب من النهج السياسي للتجمع العمالي،أو مشاريع الحكم الإداري الذاتي ،هذا في حين أن قلة ضئيلة هي التي تذهب مذهب القبول بما تنادي به”قوى السلام” من ضرورة القبول بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني كشرط السلام.

في المقابل فان جمهورا كبيرا من الصهاينة يؤيدون ضم المناطق المحتلة بغض النظر عما إذا كان من شان ذلك أن يؤدي إلى السلام أو لا ،ويدخل ضمن هؤلاء جزء من أنصار الإدارة الذاتية للسكان، دون الأرض ودون شؤون الأمن

من كل ذلك نصل إلى استنتاج،بأنه في الوقت الذي يوجد فيه بين الجمهور الصهيوني صدى لكل الآراء التي تتدولها و تطرحها وسائل الأعلام الصهيونية ،الرسمية وغير الرسمية حول القضية الفلسطينية ،وعلاقتها بالحرب والسلام والاستيطان،ألا أن الآراء الأكثر اقترابا من جوهر الفكر والعمل الصهيوني ،هي التي تحظى بالقبول على نطاق واسع، وتتمتع بالقوة الأكبر على الاستقطاب ،في حين أن الآراء المعبرة عن رغبتها في السلام المشروط، بالاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة لا تحظى إلا بالقدر اليسير والضئيل من التجاوب.

الإعلام والإرهاب الصهيوني

كما أن الأعلام الصهيوني ساهم في بلورة رأي عام صهيوني متطرف، فقد ساهم كذلك في التحريض على الإرهاب الصهيوني ضد المواطنين الفلسطينيين ،هذا في الوقت الذي كان لوسائل الإعلام من جهة أخرى دور واضح في إلقاء الضوء على هذا الموضوع ،وإحداث استقطاب معاكس وان كان محددا ضد الإرهاب الصهيوني.

أن الحديث المستمر عبر وسائل الإعلام الصهيوني عن “المخربين والإرهابيين”،ونعت العرب بأقبح النعوت والصفات ذات الطابع الفاشي والعنصري ،إضافة إلى الحديث المستمر عن “الخطر العربي”والطبيعة اليهودية للكيان الصهيوني، والنقاء والتفوق العرقي،من شان كل ذلك تشجيع الإرهاب الصهيوني، كأسلوب وممارسة لمقابلة المقاومة بالإرهاب أو لمعالجة المشكلة العربية واقتلاع الخطر العربي من جذوره ،قبل أن يتحول إلى حقيقة تهدد وجود الكيان الصهيوني و”طابعه الديمقراطي”.

ويغلب على الإعلام الصهيوني التماس التبريرات والأعذار لكل الذين يمارسون أعمال العنف والإرهاب، ضد المواطنين والمؤسسات والأماكن الدينية العربية،إما بالادعاء بالجنون وبالتالي انتقاء المسؤولية،أو بالقول بان ما يقومون به رد على “الإرهاب العربي”،بعد ادعاء عجز السلطات الرسمية عن اقتلاعه بسبب الظروف،والعوامل السياسية التي تحرص السلطات على مراعاتها وهذا التبرير أو تلك كانت تتردد في اغلب حوادث الإرهاب التي ارتكبتها عصابات المستوطنين الصهاينة،وفي المقابل هذه النظرة التحريضية_التبريرية للإرهاب الصهيوني كانت بعض وسائل الإعلام و_بعض الصحف_تنقل وجهات نظر استنكارية محذرة من التطور المستقبلي لظاهرة الإرهاب على طبيعة العلاقات مع المواطنين العرب،وتهديد”الطابع الديمقراطي للكيان الصهيوني”فيما إذا امتدت ظاهرة الإرهاب ضد العرب إلى إرهاب تمارسه فئات صهيونية ضد فئات من الصهاينة أنفسهم، وقد تعزز هذا التخوف في أعقاب حادث إلقاء القنبلة الصهيونية على مظاهرة “لحركة السلام الآن”وأدت إلى مقتل احد أعضاء الحركة،وهو “إميل غرونتسيفع” لذلك فقد وجدت صحف مثل” الاتحاد وعلهشمار وهاعولام هازيه وحداشوت”أن مهامها العمل للكشف عن حلقات وعناصر الإرهاب الصهيوني ،وكشف الجهات الرسمية المتواطئة معه،لان من شان ذلك خلق رأي عام مستنكر ومناهض للإرهاب الصهيوني في محاولة لتجاوز مخاطره على الكيان الصهيوني،وكان لهذه الجهود بعض الأثر حيث شكلت رأيا عاما ضاغطا على سلطات العدو، التي قامت بإلقاء القبض على بضعة أشخاص نسبت إليهم عمليات إرهابية ضد شخصيات فلسطينية، وأماكن دينية ومؤسسات مدنية عائدة للمواطنين العرب،لكن إلى أي مدى استطاعت هذه الصحف والآراء المناهضة للإرهاب إيجاد رأي عام صهيوني داخلي مناهض للإرهاب الصهيوني؟.

في الحقيقة لا نكاد نجد ما يشير إلى تبلور رأي عام صهيوني مناهض للإرهاب الصهيوني،فلم تقع على سبيل المثال مظاهرات احتجاج صهيونية معادية للإرهاب،وعلى العكس من ذلك نجد رأيا عاما آخذا في التبلور، مؤيدا ومساندا للتطرف والإرهاب العنصري الصهيوني، وإذا علمنا أن الإرهاب الصهيوني يستمد حيويته من تنظيمين سياسيين معلنين هما”حركة كاخ”و”حركة غوش ايمونيم”فان هذا الإرهاب قد تجسد رسميا بحصول مئير كاهانا زعيم حركة كاخ الإرهابية ،وموشي ليفنغر زعيم حركة غوش، على خمسة مقاعد في الكنيست،كما أن استطلاعات الرأي العام الصهيوني ،أشارت إلى زيادة في حدة الاستقطاب لصالح الإرهابي مئير كاهانا،إذ أعطت إحدى استطلاعات الرأي العام خمسة مقاعد في الكنيست دفعة واحدة ،وبمعنى أخر فانه في الوقت الذي نجحت فيه وسائل الإعلام الصهيونية في المساعدة على كشف التنظيمات الإرهابية الصهيونية، فقد فشلت في التأثير على وضع حد للتطرف والإرهاب الصهيوني،بل على العكس من ذلك ساهمت وسائل الإعلام بشكل مباشر وغير مباشر على تشجيع التطرف والإرهاب الصهيوني.

التحكم بالمعلومات التي تبث عبر وسائل الإعلام لتحقيق أهداف السياسيين الصهاينة.

التلاعب بالمعلومات

يعتبر “التلاعب بالمعلومات”أو البراعة في استخدام المعلومات من أكثر الترتيبات غير الرسمية المعقدة …وأكثر شيوعا في آن واحد ..وقد يبدو هذا الأمر مثيرا تماما وخاصة أذا ما أدركنا أن “التلاعب”أو المناورة يمثل في الأساس”أداة سياسية “لا غنى عنها وذلك لان “التلاعب بالمعلومات”،كغيره من ألوان التلاعبات الأخرى يسعى دائما إلى تجاوز العقبات التي تعترض طريق بلوغ الأهداف في نهاية الأمر،وفي معظم الحالات فان المبادرات الخاصة بممارسة هذا التلاعب ترجع أساسا إلى الجهة التي تقوم بمهمة “مراقب المعلومات” والتي تتحكم وتنظم عملية تدفق المعلومات وذلك وفقا للنتائج المتعجل حدوثها بالنسبة لتعزيز وترويج مكاسبها الخاصة.

بصفة عامة فان “الترتيبات التلاعبية”هذه،تجسد في الوقع منظومة كودية تشتمل على “القواعد غير المكتوبة”للعبة،وعلى قائمة هذه القواعد كود”المباشرة” أو الطريق المستقيم الذي يتطلب أولا وفورا وقدر الإمكان توافر الثقة المتبادلة بين الأطراف،ووفقا لما ذكره “جالنور”فان اكبر قدر من المعلومات يتم توزيعها عمليا،ويتم  وفق للاتفاقات المرنة الفضفاضة أكثر منه وفقا للقوانين المحددة الصارمة،وقياسا على ذلك فانه من الصعب كشف وتوثيق مثل هذه الترتيبات والاتفاقات،ذلك أن أحدا أو آيا من الأطراف ليس على استعداد لان يعترف بوجودها،أو أن يقدم أية تفاصيل عنها،أنها فقط الذاكرة الخاصة بالزعماء ورجال السياسة والمسئولين العموميين،وأيضا ذاكرة الصحفيين،التي يمكن أن تكشف القصص المستورة بالفعل خلف واجهة المعلومات المنشورة.

وعلى الرغم من ذلك فانه يلزم أن نذكر هنا أن التلاعب بالمعلومات وبالذات في أوقات الأزمات السياسية ،أنما يأتي ويتوالد ويزدهر بسبب تنامي المصالح الخاصة بين أطراف اللعبة ذاتها،وعليه فإننا نجد أن اية معلومات قد تكون ضد السياسات الصهيونية ،والتي تكشف خفايا النوايا ضد الشعب الفلسطيني،أو حتى التي قد لا ترضى الشعب الصهيوني،يتم _ومهما كلف الأمر _التلاعب بها لتحقيق أهداف الصهاينة.

نظرة خجولة

الأسباب الحقيقة لقصور الإعلام العربي

إذا كانت القاعدة القديمة تقول أن العمل الجيد هو خير داعية لنفسه..فان القاعدة التكميلية التي تميز بها هذا العصر،خاصة في الأقطار التي يسود فيها مبدأ”الاقتصاد الحر”،تقول أن العمل أو الإنتاج يحتاج مهما كان جيدا إلى مقنع خفي،يتمثل في التجارة بالإعلان وفي السياسات الإعلامية بمداخله النظرية والتطبيقية،وفي كلا الحالتين يقدر نجاح الإعلان أو الإعلام بقدر ما يعتمد مخططوه على فهم طبيعة النفس البشرية المخاطبة ونواحي العنف والقوة الكامنة فيها.

ثم إن الإنتاج يحتاج بعد ذلك إلى أداة التسويق التي تتمثل في التجارة بالبائع،وشرطه أن يكون نشطا،ذكيا،متفرغا لعمله،مؤمنا به ومالكا للقدرة على الإقناع،ويتمثل في سياسة”المثقف الإعلامي،المؤمن بقضيته والواعي لحقائقها”،وسيان بعد ذلك أن يكون هذا المثقف عضوا في جهاز متخصص بالإعلام أو عاملا في أية مؤسسة أخرى رسمية أو غير رسمية تعمل ضمن أشياء أخرى في خدمة الإعلام،وإذا كان بائع الألعاب أو الملبوسات النسائية يقوم سعيا وراء بيع بضاعته ،والوصول إلى جيب رب العائلة،وعرضها وإغراء أبناء هذه الأخير وزوجته فكذلك الحال بالنسبة إلى المثقف الإعلامي فهو يستهدف أكثر ما يستهدف أصحاب المراكز الحساسة، ومفاتيح الرأي العام وممثلي القوى الضاغطة منه ،من اجل كسبهم إلى جانب قضيته ووضع حكوماتهم تبعا لذلك في موضع الأب إمام البائع”القبول والدفع عن قناعة أو بدونها”.

فالسياسة الإعلامية الناجحة هي التي تسعى لكسب العدو أو التخفيف من حدة علائه، وتسعى للصديق من اجل ترسيخ صداقته، وهي بحكم الطبيعة والتعريف عملية طويلة وشاقة، ولذلك فهي بحاجة إلى “نفس طويل وصبر ديناميكي”يتمثل في العمل المتواصل دون كلل أو ملل، ومهما كانت العقبات ودون الاستهانة بالمنجزات مهما كانت صغيرة،تلك هي إحدى أهم مزايا العمل الإعلامي الإسرائيلي،هذا الإعلام الذي قد لا تلمسه في كثير من الأحيان، وان كنت تحس دوما بآثاره،فالإعلام لا يتطلب بالضرورة كما قد يتبادر إلى الذهن،أن يكون عملا مكشوفا وعالي الصوت،وكما أن هناك ما يعرف “بالدبلوماسية الهادئة”فان هناك بالقطع ما يمكن تسميته بالإعلام الهادئ.

ما يهمنا هو الإعلام العربي الخارجي، والذي يفترض انه امتداد طبيعي لجذور داخلية،فان ماساته خلال العشرين سنة الماضية،كانت تكمن في أن المسئولين عنه لم يفهموا “انه مجرد فروع لجذور ممتدة من الداخل”،كما أنهم لم يفهموا معنى الخطة وأهمية الإستراتيجية، وضرورة المداخل النظرية والتطبيقية،والدور الذي يستطيع المثقف الإعلامي المؤهل أدائه في تحقيق ذلك كله،ومدى ما يتركه غياب الإعلام العربي الجاد من مجال للإعلام الصهيوني لتزوير الحقائق، وغسل الأدمغة في العالم اجمع.

الخاتمة

سار الإعلام الصهيوني الموجه إلى يهود العالم جنبا إلى جنب مع العمل الإعلامي الصهيوني والدبلوماسي الموجه إلى الرأي العام العالمي، من اجل الحصول على تأييد اليهود لفكرة”الوطن القومي اليهودي”في فلسطين،وقد ارتبط الإعلام الصهيوني بهذا الهدف اثر إعلان برنامج العمل الذي اقره المؤتمر الصهيوني _الأمريكي الذي عقد في نيويورك عام 1942م والذي عرف باسم برنامج”بلتيمور”،حيث برزت الدعوة رسميا لإنشاء “دولة يهودية في فلسطين “كجزء لا يتجزأ من العالم الديمقراطي “،وتشكيل قوة عسكرية صهيونية معترف بها تحارب تحت علمها الخاص إلى جانب الحلفاء،بالإضافة إلى بنود أخرى تضمنت ضمن ما تضمنته رفض الكتاب الأبيض_وهو كتاب صدر عن الحكومة البريطانية عام 1939م،يعتمد تحديدا جزئيا للهجرة اليهودية إلى فلسطين_والمطالبة بهجرة يهودية غير محدودة إلى فلسطين تتم بإشراف الوكالة اليهودية بشكل تام.

وفي الختام يمكن القول: إن الحرب الإعلامية الإسرائيلية – ضد كل ما هو عربي بصفة عامة، وفلسطيني بصفة خاصة، من خلال العديد من المصطلحات والمقولات الزائفة التي سعى هذا الإعلام إلى ترسيخها في وجدان العالم، ودسها في لغتنا العربية ليعتاد الكتاب والسياسيون على استخدامها لخدمة المشروع الصهيوني في فلسطين – تستهدف بصفة خاصة تشويه الصورة القومية العربية، ومحو الهوية الفلسطينية، وتكريس الاحتلال الإسرائيلي بتصفية القضية الفلسطينية، وتهويد التاريخ والأرض، واغتيال الحاضر الفلسطيني المناضل. لذلك فإنه من الضروري وضع استراتيجية عربية للإعلام قابلة للتطبيق، تملك القدرة على مخاطبة الآخر، بلغته التي يفهمها، حتى يمكن مواجهة الدعاوى الصهيونية الكاذبة التي برع الإعلام الإسرائيلي في ترويجها.

المراجع والمصادر

1_غازي السعدي،منير الهور_الإعلام الإسرائيلي_عمان،دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية ،1987، ط1

2_د.منذر عنبتاوي_أضواء على الإعلام الإسرائيلي _منظمة التحرير الفلسطينية_مركز الأبحاث،بيروت

3_دان كاسبر،بيهيل ليمور _بانوراما الإعلام الإسرائيلي_ترجمة وتقديم وتعليق أ.د احمد المغازي،مكتبة الانجلو المصرية،القاهرة،2007،ط1

4_ http://etudiantdz.com/vb/t10821.html


Actions

Information

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s




%d bloggers like this: